أنموذج التكافل والتعايش في طائفة الدبور

 

د. نزار جمال حداد

مدير مديرية بحوث النحل المركز الوطني للبحث والارشاد الزراعي

رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الاردنيين

drnizarh@gmail.com

 

|

 

 http://alrai.com/article/504893.html

.

عند الإبحار في عالم الطبيعة، تبهرك علاقات التكافل والتعايش المنفعية بين الكائنات الحية. ومن بينها ما يوفره الجلد السميك لوحيد القرن من ملاذ ملائم للعديد من الحشرات وهي الطعام المفضل لطائر ابو قردان، الأمر الذي يجعل علاقة التعايش بين هذا الطائر ووحيد القرن ذي منفعة مشتركة؛ فتجد طائر أبو قردان ملازماً لوحيد القرن قابعاً فوق ظهره باحثاً عن هذه الطفيليات. كما تعتاش بعض الأسماك الصغيرة على تنظيف الأسماك الأكبر حجماً بالتغذي على الفطريات والكائنات الحية الدقيقة التي تعيش عليها. وفي مثال آخر بديع؛ يعيش القريدس ضعيف البصر مع سمكة قوس قزح (الغوبي) في ذات الجحر الذي يحفره القريدس، فكلما شاهدت سمكة قوس قزح خطراً قادماً تضرب على ظهر القريدس ويختبئ كليهما في جحر القريدس. كما أن العلاقة التكاملية بين المجترات والنباتات البرية بديعة؛ فالمجترات تتغذى على النباتات في فترات إزهارها، وتنقل الماشية حبوب اللقاح من زهرة إلى أخرى مع صوفها. وحينما تتغذى الماشية على النباتات بعد عقد الأزهار فإنها تنقل بذورها في روثها من مكان إلى آخر موفرة بيئة غذائية ملائمة حول هذه البذور لتنتشر وتنمو في العام التالي. ولعل أكثر القصص في التاريخ الطبيعي غرابة هي تلك العلاقة الساحرة ذات طابع المنفعة المشتركة بين الدبور الأحمر ويرقاته، وسنأتي على ذكرها في هذا المقام لبداعتها وسحرها.

 

ولكن كون الشيء بالشيء يذكر؛ نقول أن الدبور الأحمر حشرة مجتمعية حاله حال النحل والنمل، له ملكة واحدة وجيش كبير من العاملات وبضع ذكور تتكاثر في أواخر موسم الصيف، فوظيفة الملكة في بداية الربيع هي اختيار موقع العش وبناء الأقراص ووضع البيض ورعايته حتى خروج الجيل الأول من العاملات لتتفرغ الملكة بعد ذلك لوضع البيض. ويقتصر دور الذكر على تلقيح الملكات، أما عاملات الدبور فيقع على عاتقها جل العمل من جمع الطعام وإطعام الأجيال الجديدة وتوسعة العش. أما العلاقة التعايشية بين العاملة ويرقاتها فهي بديعة الوصف، حيث تسرح العاملات بحثاً عن الطعام وحال حصولها على فريستها سواء كانت نحلة أو أي حشرة أخرى أو قطعة لحم من جيفة أو مخلفات الطعام؛ تقوم عاملة الدبور بتقطيع فريستها لتحصل على البروتين وتستمر في مضغها حتى تصبح لقمة مستساغة، فإذا كانت فريستها نحلة عسل على سبيل المثال تقوم بقطع رأس النحلة ثم تتخلص من الأرجل والأجنحة وكامل البطن وتبدأ بمضع منطقة الصدر الغنية بالعضلات المحركة للأجنحة والأرجل لتحصل منها على مادة بروتينية غنية، إلا أن المفاجىء في الأمر أن العاملة لا تمضغ هذا الطعام لتأكله بل تنقله بعناية فائقة إلى داخل العش لتبحث عن يرقة جائعة تستدل عليها من خلال الصوت الذي تصدره اليرقة بحكّها لحواف العين السداسية بأجزاء فمها فتصدر صوتا قوياً، فتضع عاملة الدبور بعد رحلة الصيد هذه لقُمة مستساغة في التجويف الواقع بين الأرجل الستة لليرقة لتحني اليرقة رأسها وتبدأ بالتهام هذه الكُتلة البروتينية فيسيل لعابها أثناء مضغها، ويكون هذا اللعاب غنياً بالأحماض الأمينية والسكريات والبروتينات المستساغة وهو شبيه في قوامه بغذاء الملكات عند النحل. وكأن عاملات الدبور تعمل عمل مربي الأبقار الذي يجلب الطعام لأبقارة حتى يحلبها بعد ذلك ويستفيد هو من حليبها، إلا أن المدهش في هذا أيضا أن الدبور يتعايش مع أبناء جنسه وليس مع أجناس أخرى تختلف عنه كما هو حال الأمثلة الأخرى التي طرحناها آنفاً. علّ هذا الإيجاز يظهر التكامل والتعايش بين أبناء الجلدة الواحدة التي نحن البشر بحاجة إلى تعلمها أيضا، حتى لو كان مثلنا في التعلُّم هي الحشرات.